عبد الله الأنصاري الهروي
400
منازل السائرين ( شرح التلمساني )
المحبّة ، لأنّها المحبّة الخالصة من الأغراض ، وصاحبها مراد مطلوب مجذوب ، مغلوب ، وأمّا ما دونها من المحابّ ، فإنّ صاحبها مشغول بأغراضه وشهواته ، لأنّه إنّما أحبّ الحقّ تعالى لكونه أحسن إليه ، ومنّ عليه . وأمّا محبّة الصّفات ، فإنّها محبّة ممزوجة بشهوات الأرواح ، إذ لذّة الأرواح في مطالعة صفات الحسن ، لا حسن الصّفات ، فإنّ تلك محبّة المغرورين المطرودين ، فإذا صفات الحسن لأصحاب الأغراض اللّطيفة ، لا المحبّين بتلك الصّفات . قوله : نادت عليها الألسن ، أي وصفتها الألسن فأكثرت صفاتها ، وتمكّنت من التّعبير عنها . قوله : وادّعتها الخليقة ، أي ادّعت الخليقة أنّهم وصلوا إليها ، / وإنّما قال : ادّعتها ولم يقل : وصلت إليها الخليقة ، لأنّ الوصول إليها وإن كانت نازلة الرّتبة ، لا تكون إلّا لمن أيّده الحقّ بنور من عنده ، فمن وصل إلى شيء منها ، فإنّما يصل إليه بنور التّأييد لا بقوّة الخليقة ، والخليقة والخلائق واحد ، فالخلائق يدّعون الدّرجتين الأوليين ، وليس لأحد الدّرجة الثالثة ، لأنّها باب حضرة الحقّ ، فلا وصول إليها إلّا بالحقّ تعالى ، وأهل الوصول إليها ليسوا أهل دعوى ، وإن وصف المحقّق نفسه ببعض وصف الكمال ، فليس ذلك بدعوى ، ولأنّ المحقّق أيضا غير محبّ ، لأنّ المحبّة دون مقامه ، فالمحبّ في الدّرجة الثالثة لا يدّعي ، ولا يقدر على الدّعوى لاستغراق لطيفته الإنسانيّة في جمال نور الحضرة الإلهيّة ، والتي دونها ادّعتها الخليقة كما فسّرناه . قوله : وأوجبتها العقول ، يعني أنّ العقول تستحسنها وتأمر بها ، فهي تحت طور العقل ، والعقل يحكم عليها لأنّها من عالم الصّور ، ومعنى أوجبتها أي أمرت بفعلها ، وأوجبت المحبّين القيام بحقوقها .